بنو لحيان
تتربع قبيلة هُذيل على ذروة البيان العربي وناصية الشرف المضري، فهي مدرسة الفصاحة التي لا تُضاهى، والقبيلة التي حازت من المنعة ما لا يُجارى. ومن هذا الأصل الراسخ والمعدن الشامخ، تنبثق قبيلة لِحيان بوصفها أحد الأصلين الكبيرين اللذين نهض عليهما البناء الهُذلي منذ غابر الأزمان؛ إذ قامت مع بني سعد بن هُذيل على عمودٍ نسبي واحد، فكانوا كالجناحين للطائر، والرمحين في كف الثائر.
وقد ارتبطت لِحيان بمحيط مكة المكرمة ارتباط قرار واستقرار، وسيادة واستظهار، فكانت الركيزة المنيعة والمكون الأصيل الذي لم يبرح مرابع الحجاز، مرسخةً حضورها كقوة قبيلة ضاربة في جذور التاريخ، ثابتة الأركان في مواطن الفخر والتعظيم.
إن نسب لِحيان يضرب في أطهر أعراق العرب مَحتِداً، وأرفعها في ذرى المجد مَصعداً؛ فهي قبيلة خندفية مضرية، تمتد سلالتها الصريحة إلى لِحيان بن هُذيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان، من ذرية خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. وبهذا النسب الرفيع، تعانق لِحيان مقام النبوة في الجد “مُدركة بن إلياس”، وتفردت بمأثرة تاريخية سامية ووشيجة قربى أخصّ؛ إذ نالت شرفاً أعظِم به من شرف، بكون “قُلابة بنت الحارث اللحيانية الهذلية” إحدى جدّات النبي ﷺ من جهة الام ، فكانت لِحيان بذلك صهرةً لبيت النبوة، وحاضنةً لتلك السلالة الصفوة، وهو مقامٌ رفيع ومجدٌ منيع.
وفي غمرة العصر الجاهلي، كانت لِحيان تُلقب بـ “شوكة القبيلة“، وهو وصفٌ يختزل بأسها المعهود، ومقامها المشهود، في حماية الديار والذود عنها، مسيطرةً بفرسانها على المسالك الشمالية للبيت العتيق، وقائمةً بحق الجوار في ذلك الوطن العريق.
وقد حفلت سجلاتها بمآثر خالدة في البطولة والنزال، وشهدت لها الروابي والرمال، حيث أنجبت مغاوير هابتهم العرب كالفارس “عمرو ذي الكلب“، وبلغت فصاحتها عنان السماء بشعراءٍ خُلّدوا في ديوان العرب، كالشاعرة “جنوب بنت العجلان“، والشاعر الفحل “المتنخل اللحياني” الذي اعتبر الأصمعي طائيته أجود ما نطق به لسان، وأحكم ما صاغه إنسان. فجمعت لِحيان بين سطوة السنان وسحر البيان، وغدا ذكرها مدوياً في أيام العرب وموثقاً في أمهات السير والمغازي.
ومع إشراق شمس الإسلام، سارعت بطون لِحيان لنصرة الحق المبين، فكانت حصناً للدين وقوةً للمسلمين، وقدّمت للأمة رعيلًا من الصحابة والتابعين الذين حملوا مشاعل الهداية جهاداً ورواية، كـ نُبيشة الخير، وسلمة بن المُحبِّق، وأسامة بن عمير رضي الله عنهم. وامتد أثرهم التاريخي ليشمل الفتوحات الإسلامية العظمى، فبرز منهم قادةٌ ساسوا الجند وحكموا الثغور، وملأت أخبارهم بطون السطور كالقائد سنان بن سلمة. ولم يقف عطاؤهم عند حدود النزال، بل كانوا سدنةً للغة وحراساً للشريعة، برز منهم أئمةٌ كبار وعلمٌ في نوابغ الدهر يُشار، كالإمام اللغوي أبو الحسن اللحياني، ليبقى تاريخ لِحيان تجسيداً حياً لعظمة هُذيل، وسجلاً حافلاً يجمع بين رفعة الأرومة والنسب، وبطولات الميادين والحسب، وسمو العلم والدين.
