الموطن التاريخي لقبيلة لِحيان: سيادة الأرض وعراقة الديار
تضرب قبيلة لِحيان أوتادها في قلب التاريخ الجغرافي للحجاز، متمسكةً بموطنها الذي لم تبرحه منذ أقدم العصور، ومنتميةً بكيانها العريق إلى “هُذيل الشامية” التي بسطت نفوذها شمال مكة المكرمة. لقد اختارت لِحيان لنفسها موقعاً استراتيجياً فذاً، يمتد بين تلال الجموم و الزيمة، ويحتضن وادي نخلة ومرّ الظهران، وصولاً إلى الشميسي؛ فكانت ديارها هي الرئة التي تتنفس من خلالها طرق الحج والتجارة، والساحة التي تجلت فيها قوتهم في حماية المسالك وضبط التحركات القبلية المؤدية إلى حرم الله الآمن.
إن ديار بني لِحيان ليست مجرد مساحاتٍ جغرافية، بل هي “أرضٌ موثقة بالحق والشرع”، تشهد على ملكيتها الصكوك المتوارثة عبر الأجيال، والمحررات الرسمية التي نُقشت بأقلام القضاء في مكة المكرمة. فقد تعاقبت الوثائق الشرعية على إثبات هذه الملكية التاريخية، بدءاً من المخطوطات القديمة، ومروراً بالصكوك العثمانية، وصولاً إلى العهد السعودي الزاهر في زمن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه ـ؛ حيث نُصّ صراحةً على أن هذه الديار هي إرثٌ لحياني خالص، وحقٌ ثابت لا ينازعه فيه منازع.
وتتجلى عظمة هذه الديرة في حدودها الواسعة التي ترسم خارطة العز لهُذيل الشامية؛ فهي تمتد من الشرق حيث سكة العناية ومهد سبوحة والردم، وصولاً إلى الدرب المفضي إلى قرن سرور. ومن الشمال تكتنفها جبال الحِمى ورأس دسم ونبع العجيفاء وصولاً إلى الثَّقَر. أما من الجنوب، فتتصل بالدرب الموصل من جهة الشرق إلى سكة العناية ومهد سبوحة والردم ويدعان وكتايده والدرب الموصل إلى قرن سرور، ومن جهة الشمال إلى جيل الحِمى ورأس دسم ونبع العجيفاء والجوف والثَّقَر عند أبي شهيب، ومن جهة الجنوب إلى الدرب الموصل من الشرائع إلى مكة المكرمة ثم الحجون ووادي ضبع الذي فيه بئر طوى وجبل جحيشة ودرب الحب، ومن جهة الغرب إلى منطقة الشميسي، لتكون بذلك من أوسع ديار هُذيل وأكثرها حصانةً وتوثيقاً.
إن هذا الالتصاق الوثيق بالتراب المكي لم يقتصر على الأرض فحسب، بل امتد ليكون حضوراً وجدانياً وسيادياً؛ فقد ذكر التاريخ أن لبني لِحيان “دلواً في بئر زمزم” في عهد الأشراف، في إشارةٍ رمزية لعمق جذورهم في الحرم. ومع هذا الاستقرار الجغرافي، بزغ نجم أبنائها من صحابةٍ بررة وتابعين أخيار وقادةٍ فاتحين، سطروا بجهادهم وعلمهم مآثر لا تُمحى.
لقد كان موطن لِحيان هو الحصن الذي بنى قوتهم، والمحضن الذي خرّج رجالهم، والمنطلق الذي مكّنهم من حماية أقدس البقاع، ليبقى جغرافياً وتاريخاً، شاهداً على أن لِحيان هي حارسة الطرق، وسليلة المجد، ووارثة الأرض بالحق واليقين.
